ابن كثير
341
البداية والنهاية
يرضاها ، فما كان بأسرع من أن أتي بها بسرجها لم يفقد منها شئ ، فقام فركبها ، فلما استوى عليها وجمع إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال : الحمد لله ، لم يزد على ذلك ، فقيل له في ذلك ، فقال : فهل تركت أو أبقيت شيئا ؟ جعلت الحمد كله لله عز وجل . وقال عبد الله بن المبارك : قال محمد بن علي : من أعطي الخلق والرفق فقد أعطي الخير والراحة ، وحسن حاله في دنياه وآخرته ، ومن حرمهما كان ذلك سبيلا إلى كل شر وبلية ، إلا من عصمه الله . وقال : أيدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ ما يريد تاما إلا قال : فلستم إخوانا كما تزعمون ، وقال : اعرف مودة أخيك لك بما له في قلبك من المودة فإن القلوب تتكافأ . وسمع عصافير يصحن فقال : أتدري ماذا يقلن ؟ قلت : لا ! ! قال : يسبحن الله ويسألنه رزقهن يوما بيوم . وقال : تدعو الله بما تحب ، وإذا وقع الذي تكره لم تخالف الله عز وجل فيما أحب . وقال : ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج ، وما من شئ أحب إلى الله عز وجل من أن يسأل . وما يدفع القضاء إلا الدعاء . وإن أسرع الخير ثوابا البر ، وأسرع الشر عقوبة البغي ، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه ، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع أن يفعله ، وينهى الناس بما لا يستطيع أن يتحول عنه . وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه . هذا كلمات جوامع موانع لا ينبغي لعاقل أن يفعلها . وقال القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق . وقال أبو جعفر : صحب عمر بن الخطاب رجل إلى مكة فمات في الطريق ، فاحتبس عليه عمر حتى صلى عليه ودفنه ، فقل يوم إلا كان عمر يتمثل بهذا البيت : وبالغ أمر كان يأمل دونه * ومختلج من دون ما كان يأمل وقال أبو جعفر : والله لموت عالم أحب إبليس من موت ألف عابد . وقال : ما اغرورقت عين عبد بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار ، فإن سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة ، وما من شئ إلا وله جزاء إلا الدمعة فإن الله يكفر بها بحور الخطايا ، ولو أن باكيا بكى من خشية الله في أمة رحم الله تلك الأمة . وقال : بئس الأخ أخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا . قلت : البيت الذي كان يتمثل به قبله بيتان وهو ثالثهما ، وهذه الأبيات تتضمن حكما وزهدا في الدنيا قال : لقد غرت الدنيا رجالا فأصبحوا * بمنزلة ما بعدها متحول فساخط أمر لا يبدل غيره * وراض بأمر غيره سيبدل وبالغ أمر كان يأمل دونه * ومختلج من دون ما كان يأمل ثم دخلت سنة ست عشرة ومائة ففيها غزا معاوية بن هشام الصائفة ، وفيها وقع طاعون عظيم بالشام والعراق ، وكان معظم ذلك في واسط . وفي المحرم منها توفي الجنيد بن عبد الرحمن المري أمير خراسان من مرض أصابه في